المقريزي

145

المقفى الكبير

قال : أساع أنت ؟ قال : بل مؤدّ الذي عليه . فبعث إلى محمد بن مسلمة أن الحق بعياض بن غنم فائت به كما تجده . فانتهى إلى بابه بحمص ، فإذا عليه بوّاب ، فقال له : قل لعياض : على الباب رجل يريد أن يلقاك . قال : ما تقول ؟ قال : قل له ما أقول لك . فذهب كالمتعجّب فأخبره ، فعرف عياض أنّه أمر حدث ، فخرج فإذا محمد ، فرحّب به وقال له : ادخل ، فإذا عليه قميص رقيق ليّن ، فقال : إنّ أمير المؤمنين أمرني أن لا يفارق سوادي سوادك حتّى أذهب بك كما أجدك . ونظر في أمره وداره فوجد الأمر كما قيل عنه ، فقدم به على عمر فأدّبه . وبعثه عمر في جند عمرو بن العاص فشهد فتح مصر ، وطلع الحصن مع الزبير ، واختطّ بمصر دارا ، وعاد إلى المدينة ، ثمّ قدم مصر مرّة أخرى برسالة عمر رضي اللّه عنه إلى عمرو ليقاسمه المال ، ومعه كتاب عمر إليه : أمّا بعد ، فإنّكم معشر العمّال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام ، وأكلتم الحرام ، وأورثتم الحرام . وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة الأنصاريّ ليقاسمك مالك ، فأحضره مالك . والسلام . فلمّا قدم مصر أهدى له عمرو هديّة فردّها عليه ، فغضب ثمّ قال : يا محمّد ، لم [ 134 أ ] رددت إليّ هديّتي ، وقد أهديت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مقدمي من غزوة ذات السلاسل فقبل ؟ فقال له محمد : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يقبل بالوحي ما شاء ويمتنع ممّا شاء . ولو كانت هديّة الأخ لأخيه قبلتها ، ولكنّها هديّة أمام شرّ خلفها . فقال عمرو : قبّح اللّه يوما صرت فيه عاملا لعمر بن الخطّاب ! فلقد رأيت العاصي بن وائل يلبس الديباج المزرّر بالذهب ، وأنّ الخطّاب بن نفيل ليحمل الحطب على حمار بمكّة . فقال محمّد : أبوك وأبوه في النار . وعمر خير منك ، ولولا اليوم الذي أصبحت تذمّ لألفيت معتقلا عنزا يسرّك غزرها ويسوءك بكؤها « 1 » . فقال عمرو : هي فلتة المغضب ، وهي عندك بالأمانة . ثمّ أحضره ماله فقاسمه إيّاه ، ثمّ رجع . فلمّا كانت قتلة عثمان رضي اللّه عنه وبويع عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه اعتزل الناس ، واتّخذ سيفا من خشب ، وجعله في جفن وذكر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمره بذلك ، ولم يشهد الجمل ولا صفّين ، وأقام بالرّبذة . وكتب إليه معاوية : أمّا بعد ، فإنّي لم أكتب إليك وأنا أرجو مبايعتك ، ولكنّي أردت أن أذكّرك النعمة التي خرجت منها ، والشكّ الذي دخلت فيه . إنّك فارس الأنصار وعدّة المهاجرين ، ادّعيت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمرا لم تستطع إلّا أن تمضي عليه . فهذا نهاك عن قتل أهل الصلاة . فهلّا نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا ؟ وقد كان عليك أن تكره لهم ما كره لك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أو لم تر عثمان وأهل الدار من أهل الصلاة ؟ فأمّا قومك فقد عصوا اللّه وخذلوا عثمان ، واللّه سائلهم وسائلك عن الذي كان ، يوم القيامة . وكتب إليه شعرا [ الطويل ] : أيا فارس الأنصار في كلّ كربة * ويا أيّها الباني لها كلّ مكرمة

--> ( 1 ) بكؤها : قلّة لبنها .